✕
کد خبر: 1878

٧ أکتوبر .. الیوم الذی انهارت فیه أکذوبة عدم امکانیة هزیمة اسرائیل

کان ٧ أکتوبر ٢٠٢٣ هو الیوم الذی واجه فیه العالم زیف وهم عدم امکانیة الحاق الهزیمة باسرائیل.

فی فجر یوم السبت ٧ أکتوبر ٢٠٢٣، کان سماء غزة لا یزال رمادیًا حین انتشر الخبر کالصاعقة: فصائل المقاومة الفلسطینیة عبرت الحدود المحاصرة.

وفی غضون ساعات، انتشرت صورٌ لم تکن بالنسبة لکثیرین فی المنطقة قابلة للتصدیق حتى ذلک الیوم؛ فقد انشقّ الجدار الحدودی، وتعرضت المستوطنات المحیطة بغزة للهجوم، ودخلت قوات المقاومة مناطق کان الاحتلال الإسرائیلی یحمیها لسنوات خلف أحد أکثر الأنظمة الأمنیة تعقیدًا فی العالم.

کان قد مضى ما یقارب ٧٥ عامًا على یوم النکبة، منذ الیوم الذی غادر فیه مئات الآلاف من الفلسطینیین منازلهم وتحوّل التشرید إلى جزء من حیاة عدة أجیال من الفلسطینیین. والآن، فی صباح ٧ أکتوبر، أعاد أبناء هؤلاء المشردین أنفسهم إلى صدارة أخبار العالم من جدید.

لم یکن طوفان الأقصى یهدف إلى إفناء إسرائیل فی یوم واحد، لکنه استهدف شیئًا أهم: الصورة التی بنتها إسرائیل عن نفسها على مدى عقود، صورة جیش لا یُقهر، وجهاز استخبارات لا یُخترق، وحدود کان عبورها شبه مستحیل.

فی ذلک الیوم لم تُکسَر الجدران الحدودیة فحسب، بل انهار جدار أهم، وهو هیمنة دولة ـ جیش کان یعتبر نفسه بأنه لا یقهر.

فی ذلک الفجر بدأت أطول حرب فی تاریخ إسرائیل منذ النکبة، السبت الأسود لإسرائیل، والحرب التی لم تنتهِ بعد ثلاث سنوات.

ثلاث سنوات من الدماء والرکام

فی هذه السنوات الثلاث استُشهدت الوجوه الرئیسیة للمقاومة واحدًا تلو الآخر: محمد الضیف، القائد الأعلى لکتائب القسام، ویحیى السنوار، القائد السیاسی وأحد المهندسین الرئیسیین لعملیة ٧ أکتوبر، وإسماعیل هنیة، وعدد آخر من قادة المقاومة، ودفعت المقاومة ثمنًا باهظًا.

بحسب آخر إحصاءات وزارة الصحة فی غزة (أوائل أکتوبر ٢٠٢٦)، منذ ٧ أکتوبر ٢٠٢٣ وحتى الیوم استُشهد ما لا یقل عن ٧٤ ألفًا و٢٢٨ فلسطینیًا، وأُصیب أکثر من ١٧٥ ألف شخص. وقد قضى عشرون ألفًا ومئة وتسعة وسبعون طفلًا واثنا عشر ألفًا وخمسمئة امرأة نحبهم، ولا تزال آلاف الجثث مدفونة تحت أنقاض المبانی، وتضررت أو دُمّرت بالکامل أکثر من ٩٠ فی المئة من البنى التحتیة المدنیة فی غزة، وتتحدث المؤسسات الدولیة عن مجاعة وسوء تغذیة واسع النطاق فی غزة.

حوّل الاحتلال الإسرائیلی الحصار إلى أداة للتعذیب الجماعی، واحتجز ما یقارب ملیونی إنسان فی شریط ضیق: تجویع ممنهج، وقطع الأدویة، ونقص میاه الشرب، وتدمیر المستشفیات والمدارس. وحتى بعد وقف إطلاق النار الهش فی ١٠ أکتوبر ٢٠٢٥، تواصلت الهجمات وقتل الصهاینة أکثر من ألف وأربعمئة فلسطینی آخر.

عدد الشهداء والضحایا الفلسطینیین یبلغ أضعاف خسائر الطرف الآخر، وفُقد قادة مهمون فی المقاومة، لکن تاریخ فلسطین أثبت مرارًا أن المقاومة، وإن کانت دامیة، هی السبیل الوحید الذی یُجبر العدو على الحساب.

حین وُضع السلاح أرضًا

لقد خضع تاریخ فلسطین المعاصر لتجربة کبرى: إن التفاوض والاستسلام لإسرائیل لم یؤدِّیا یومًا إلى استیفاء حقوق الشعب، ولم یجلبا لفلسطین سلامًا ولا هدوءًا.
حین وضع یاسر عرفات السلاح ووقّع اتفاق أوسلو المخزی واعترف بإسرائیل، ماذا حدث؟ تسارع الاستیطان الإسرائیلی، وشُیّدت آلاف الوحدات السکنیة الجدیدة فی الضفة الغربیة، ولم تتشکل أی دولة فلسطینیة مستقلة، ونُسی حق عودة اللاجئین، وعانى الفلسطینیون من الذل والاحتقار أکثر من قبل. فلم یجلب أوسلو سلامًا ولا کرامة، بل اشترى الوقت فقط لتوسیع الاحتلال.

فی المقابل، غیّرت المقاومة المسلحة ـ بکل تکالیفها الباهظة ـ المعادلة مرارًا. فمن الانتفاضة الأولى إلى طوفان الأقصى، فی کل مرة لجأ الفلسطینیون إلى السلاح، أُجبر العالم على الاعتراف بوجودهم.

نقطة تحول غیر مسبوقة، وإنهاک العملاق العسکری

وفی الجانب الآخر من المیدان حدث ما کان یصعب تخیله فی الأیام الأولى: الحرب التی کان یُفترض أن تکون عملیة عسکریة تحوّلت إلى أزمة طویلة الأمد لإسرائیل نفسها. فبعد ثلاث سنوات من القصف المدمّر والمعارک البریة الدامیة والعملیات الاستخباراتیة شدیدة التعقید، تحوّل ٧ أکتوبر إلى نقطة تحول غیر مسبوقة فی تاریخ إسرائیل. ووفقًا لتقاریر دولیة واستراتیجیة، تواجه إسرائیل عسکریًا ضعفًا أمنیًا وفشلًا استخباراتیًا وعلامات إنهاک واستهلاک فی جیشها.

بدأ تجنید قوات الاحتیاط على مستوى غیر مسبوق، إذ استُدعی نحو ٣٠٠ ألف شخص، وأصدرت الحکومة تصریحًا برفع العدد إلى ٤٥٠ ألفًا. وبلغ متوسط خدمة قوات الاحتیاط ١٣٦ یومًا فی السنة، وأعلنت وزارة الدفاع الإسرائیلیة أن أکثر من ١٠ آلاف من قواتها یخضعون للعلاج من اضطرابات نفسیة وعقلیة ناجمة عن الحرب.

وحتى منتصف عام ٢٠٢٥، قدّر وزیر المالیة الإسرائیلی التکلفة المباشرة وغیر المباشرة للحرب بـ ٣٥٠ ملیار شیکل (نحو ٨٠ ملیار دولار)، وهو رقم غیر مسبوق فی تاریخ حروب إسرائیل. وبلغ الدین العام نحو ٦٩ فی المئة من الناتج المحلی الإجمالی، وتراجع النمو الاقتصادی لعام ٢٠٢٤ إلى واحد فی المئة. وأعلنت دائرة الإحصاء المرکزیة الإسرائیلیة عن موجة واسعة من الهجرة الداخلیة، وأکّد معهد الدیمقراطیة الإسرائیلی استمرار تشرید سکان المناطق الحدودیة.

جبل من السلاح فی مواجهة إرادة بحتة

ومن جهة أخرى، تدفقت مساعدات عسکریة وتسلیحیة ضخمة إلى النظام الصهیونی. فقد قُدّر إجمالی مشتریات الأسلحة والمساعدات العسکریة التی تلقّتها إسرائیل من الولایات المتحدة الأمریکیة منذ بدایة حرب غزة حتى نهایة عام ٢٠٢٥ بما لا یقل عن ٢١٫٧ ملیار دولار، وکان الجزء الأکبر منها مساعدات مجانیة.
ومن بین الدول الأوروبیة، تُعدّ ألمانیا أکبر مورّد للتجهیزات لإسرائیل. فقد صدّرت برلین نحو ٣٢٧ ملیون یورو فی عام ٢٠٢٣، وأکثر من ١٦١ ملیون یورو فی عام ٢٠٢٤، ونحو ٢٦٠ ملیون یورو فی عام ٢٠٢٥. ومع رفع القیود، بلغ حجم تراخیص الصادرات العسکریة الألمانیة إلى إسرائیل فی النصف الأول من عام ٢٠٢٦ وحده قفزة غیر مسبوقة إلى نحو ٨٠٠ ملیون یورو (ما یعادل ٩٣٠ ملیون دولار). کما کانت دول غربیة أخرى مثل بریطانیا وإیطالیا وفرنسا والدنمارک وکندا من مورّدی التجهیزات العسکریة لإسرائیل.

وفی مقابل هذا الجبل من السلاح والتکنولوجیا المتقدمة، یقف حماس وفصائل المقاومة الفلسطینیة بأقل التجهیزات والتقنیات: بلا أسراب مقاتلة، وبلا أسطول بحری، وبلا منظومات دفاع جوی معقدة، وبلا ملیارات من المساعدات المجانیة، فقط بالأنفاق والصواریخ البسیطة والإرادة الجماعیة وتجربة عقود من المقاومة. وهذه القوات نفسها تمکنت من إیصال العملاق العسکری المجهّز بأحدث أسلحة العالم إلى العجز. فالجیش الذی لم یتمکن، رغم کل هذا الدعم، من حسم الحرب، کانت للمقاومة قدرة لا تُسجَّل فی جداول التجهیزات العسکریة: القدرة على مواصلة الحرب.

مستقبل المقاومة

بعد ثلاث سنوات من ذلک الفجر الرمادی، لا تزال غزة تتنفس تحت الأنقاض. استُشهد القادة، وفقد عشرات الآلاف حیاتهم، ویعیش ملیونان فی حصار غیر مسبوق. لکن ما انهزم فی ٧ أکتوبر ٢٠٢٣ لم یکن فقط الأسلاک الشائکة الحدودیة، بل هیمنة بُنیت على مدى عقود بالأسلحة الأمریکیة والأوروبیة والدعم السیاسی للعالم الغربی.

لقد دمّرت المقاومة فی ٧ أکتوبر واحدة من أهم الصور التی بنتها إسرائیل عن نفسها على مدى عقود: صورة القلعة التی لا یستطیع أحد عبور جدرانها. وبعد ثلاث سنوات من ذلک الیوم، لم تعد هذه الصورة قابلة للترمیم.

إسرائیل قوة معتدیة دخلت المیدان بمساعدة کل الدول القویة فی العالم تقریبًا وبأحدث الأسلحة الحربیة، ومع ذلک لم تستطع التغلب على المقاومة الفلسطینیة. وسیکتب التاریخ هذه السنوات الثلاث لا بادعاءات النصر من تل أبیب، بل بإحصاء ٧٤ ألف شهید، ومئات الآلاف من الجرحى، وملایین المشردین، و٣٠٠ ملیار شیکل من تکالیف الحرب، واعتراف العدو الصریح بأن الحرب لم تنتهِ.

لقد أثبتت المقاومة مرة أخرى، وإن کانت دامیة ومکلفة، أن الاستسلام والتفاوض لیسا سبیلًا إلى الحق. فأنقاض غزة لا تزال تصرخ، والتاریخ لم ینتهِ بعد.

/انتهى/

مرتبط ها