کد خبر:1948
تحالف أمریکا وإسرائیل فی اختبار إخفاقات الحرب على إیران
طول أمد الحرب وعدم تحقیق نصر سریع غیّر بشکل حاد تقییمات الکلفة والفائدة فی واشنطن.
بعد أکثر من 7 أشهر على بدء الحرب الأمریکیة والإسرائیلیة على إیران، أصبحت الخلافات بین الحلیفین التقلیدیین حول الأهداف وطریقة إنهاء الحرب أکثر وضوحاً. ففی واشنطن، تزایدت المخاوف من طول أمد النزاع، والکلفة الاقتصادیة، وغیاب أفق واضح لتحقیق الأهداف الأولیة، فی حین لا یزال فی تل أبیب من یرى أن استمرار الضغط العسکری یمکن أن یحقق مکاسب أکبر. وفی الوقت نفسه، امتدت المعارضة للحرب من داخل إدارة ترامب إلى الکونغرس وإلى جزء من القاعدة السیاسیة الجمهوریة.
هذه التطورات لا تعنی بالضرورة انهیار التحالف الاستراتیجی بین واشنطن وتل أبیب، لکنها تُظهر أن استمرار استراتیجیة المقاومة الإیرانیة یمکن أن یضع الحسابات الأمریکیة بشأن کلفة استمرار الحرب والتزاماتها تجاه إسرائیل أمام اختبار جدی.
الخلاف حول أهداف الحرب
کتبت صحیفة واشنطن بوست فی تقریر لها فی 20 مارس 2026، أی بعد أقل من ثلاثة أسابیع على بدء الحرب، أن أهداف أمریکا وإسرائیل کانت فی البدایة متوافقة، لکن مع استمرار العملیات واتضاح قوة إیران، ظهر التباین فی توقعات الطرفین. فقد کان دونالد ترامب یأمل بنصر عسکری سریع وبکلفة اقتصادیة محدودة، بینما کان بنیامین نتنیاهو یسعى إلى أفق أوسع للتغییرات السیاسیة فی إیران.
وأشار هذا التقریر أیضاً إلى قلق المسؤولین الأمریکیین من تبعات الحرب الاقتصادیة وارتفاع أسعار الطاقة؛ وهو قلق وضع، إلى جانب الخلاف حول الأهداف النهائیة، العلاقات بین الحلیفین تحت ضغط.
کما کتبت صحیفة نیویورک تایمز فی تقریر لها أن الموساد وعد ترامب بأن اغتیال آیة الله السید علی خامنئی، قائد الثورة الإسلامیة فی إیران، سیؤدی إلى اضطرابات واسعة فی أنحاء البلاد، وأن بنیة الحکم ستنهار بسرعة.
وعلى هذا الأساس، قال ترامب فی الأیام الأولى للحرب فی رسالة موجهة إلى الإیرانیین: "تولوا السیطرة على الحکم"، لکنه لاحقاً، حین رأى أن المسألة مختلفة عما غذّته به أجهزة الاستخبارات الإسرائیلیة، قال إن على الإیرانیین أن یلجأوا إلى الملاجئ فی الوقت الحالی.
بعد أربعة أشهر، کتبت واشنطن بوست فی تقریر آخر عن لقاء ترامب ونتنیاهو فی 28 یولیو أن وعد النصر السریع حلّ محله توقع حرب طویلة بکلفة باهظة، وأن ترامب یبحث الآن عن مخرج من النزاع، فی حین لا یزال الحکم فی إیران صامداً، وقد أدى تعطیل الملاحة فی مضیق هرمز إلى زیادة الکلفة الاقتصادیة للحرب.
وفی الأشهر التالیة، ظهرت مؤشرات إضافیة على فتور العلاقات بین الکیانین. ومن أبرز هذه المؤشرات العلنیة رحلة نتنیاهو القصیرة إلى نیویورک لإلقاء خطاب فی الجمعیة العامة للأمم المتحدة فی سبتمبر 2026. وخلافاً لرحلاته السابقة التی کانت ترافقها لقاءات مع الرئیس الأمریکی، لم یُعلن فی برنامج هذه الرحلة عن لقاء مع ترامب أو مسؤولین أمریکیین آخرین. وقد رأت رویترز فی هذه الرحلة القصیرة غیر المعتادة تعبیراً عن العلاقات المتوترة بین الحلیفین والخلاف حول مقاربة الحرب على إیران.
وإذا کانت الولایات المتحدة وتل أبیب تبدوان ظاهریاً متفقین على الهدف الاستراتیجی المتمثل فی مواجهة إیران، فإن طول أمد المعرکة وعدم تحقیق نصر سریع غیّر بشکل حاد تقییمات الکلفة والفائدة فی واشنطن. ولنرَ ما هی الکلف التی تکبدتها أمریکا من هذه الحرب:
کلفة الحرب وقیود الاستراتیجیة العسکریة
من المؤشرات المهمة فی تقییم تداعیات الحرب النسبة بین الکلفة العسکریة وأهدافها السیاسیة. فإلحاق الضرر بقدرات الطرف المقابل لا یضمن بحد ذاته تحقیق النتیجة السیاسیة المرجوة. وإذا واصل الطرف المقابل المقاومة رغم تحمله الخسائر، یصبح تحقیق الأهداف الأولیة للطرف المتحارب أمراً صعباً أو مستحیلاً.
ومن أوضح مؤشرات تحوّل الحرب إلى عبء على أمریکا تقدیر مکتب موازنة الکونغرس. فقد أعلن هذا الجهاز فی تقریر نشره فی 15 سبتمبر 2026 أن الکلفة المباشرة للعملیات العسکریة الأمریکیة ضد إیران بلغت حتى الأول من أغسطس نحو 38 ملیار دولار. ویشمل هذا الرقم کلفة استبدال الذخائر والمعدات المفقودة، وزیادة ساعات الطیران، والعملیات العسکریة، وکلفة الوقود؛ لکنه لا یشمل جمیع الکلف الجانبیة للحرب، بما فی ذلک إصلاح القواعد الأمریکیة المتضررة فی المنطقة.
کما قدّر مکتب موازنة الکونغرس أنه إذا بقی النزاع عند مستوى منخفض الشدة، فإن استمراره سیکلف أمریکا نحو 2 ملیار دولار شهریاً، وإذا زادت شدة العملیات فسیضیف نحو 3 ملیارات دولار أخرى.
ویُعد مضیق هرمز أحد أهم الساحات التی نقلت تداعیات الحرب من المیدان العسکری إلى الاقتصاد العالمی. فتعطیل الملاحة فی هذا الممر المائی، وعدم الیقین فی سوق الطاقة، وزیادة الضغط على الدول المستوردة للنفط، وسّع نطاق کلفة الحرب.
ومع ذلک، لا یمکن قیاس کلفة الحرب بمجرد جمع النفقات المسجلة. فجزء من الذخائر والمعدات العسکریة المستهلکة یجب استبداله، وهذا یحتاج إلى موارد مالیة وإلى وقت. ویُظهر تقدیر مکتب موازنة الکونغرس أن استهلاک صواریخ الاعتراض للدفاع الجوی سیحد من مخزونات أمریکا للسنوات المقبلة. ومثل هذا الوضع لا یؤثر على العملیات الجاریة فحسب، بل یؤثر أیضاً على قدرة واشنطن على الاستجابة لأزمات محتملة أخرى، لا سیما فی ظل اضطرار أمریکا إلى الحفاظ على قدراتها العسکریة للتنافس مع قوى مثل الصین.
وتجاوزت کلفة الحرب میزانیة الدفاع لتصل إلى الاقتصاد الأمریکی أیضاً. فقد أدى تعطیل مرور النفط والغاز عبر مضیق هرمز وعدم استقرار مسارات الملاحة إلى ضغط تصاعدی على أسعار الطاقة. وقد قدّر مکتب موازنة الکونغرس أن التبعات الاقتصادیة للحرب یمکن أن ترفع معدل التضخم فی أمریکا فی الربع الأول من عام 2027 بنحو نصف نقطة مئویة فوق التوقعات السابقة.
ویُظهر هذا التقدیر کلفة قد یشعر بها حتى المواطنون الأمریکیون البعیدون عن میدان المعرکة فی صورة ارتفاع أسعار الوقود والسلع.
وهذا الضغط الاقتصادی لیس مجرد مسألة میزانیة بالنسبة لإدارة ترامب. فارتفاع کلفة المعیشة، والنفقات العسکریة الثقیلة، وعدم وضوح موعد انتهاء الحرب، کلها یمکن أن تتحول إلى قضایا مثیرة للجدل فی السیاسة الداخلیة، خصوصاً مع اقتراب انتخابات التجدید النصفی للکونغرس.
وفی مثل هذا المناخ، یجب على الإدارة، لمواصلة العملیات العسکریة، ألا تقدم تبریراً استراتیجیاً فحسب، بل أن تواجه أیضاً أسئلة حول جدوى هذه النفقات وأولویاتها مقارنة بالاحتیاجات الداخلیة.
کما أظهر تقریر مکتب موازنة الکونغرس أن إدارة ترامب طلبت اعتماداً تکمیلیاً لتغطیة الکلف المرتبطة بالحرب؛ وبحسب هذا التقریر، تضمن طلب الإدارة 87.6 ملیار دولار من الاعتمادات الإضافیة، منها 67.1 ملیار دولار لوزارة الدفاع؛ وکان جزء من هذا الطلب مرتبطاً مباشرة بکلف الحرب.
المعارضة للحرب من داخل إدارة ترامب
لم یقتصر الخلاف حول الحرب على العلاقة بین واشنطن وتل أبیب. ففی 17 مارس 2026، استقال جو کنت، الرئیس آنذاک للمرکز الوطنی لمکافحة الإرهاب فی أمریکا، احتجاجاً على الهجمات الأمریکیة على إیران. وقد أشار فی رسالته بوضوح إلى أن إیران لم تکن تهدیداً وشیکاً لأمریکا، وأن ضغط إسرائیل وأنصارها فی أمریکا کان له دور فی قرار بدء الحرب.
واستمر هذا الجدل فی الکونغرس أیضاً. فقد أقر مجلس النواب الأمریکی فی 3 یونیو 2026، بأغلبیة 215 صوتاً مقابل 208 أصوات معارضة، قراراً یطالب بتقیید استمرار العملیات العسکریة ضد إیران دون إذن صریح من الکونغرس. واللافت فی هذا التصویت أن أربعة جمهوریین انضموا إلى الدیمقراطیین وصوتوا لصالح القرار.
وفی 23 یونیو، أقر مجلس الشیوخ الأمریکی أیضاً قراراً مشابهاً بأغلبیة 50 صوتاً مقابل 48 صوتاً معارضاً. وکانت هذه المرة الأولى منذ بدء الحرب التی یطالب فیها مجلسا الکونغرس، فی تصویتین منفصلین، بتقیید صلاحیة الرئیس الأمریکی فی مواصلة العملیات العسکریة ضد إیران.
وفی یولیو، ظهر الخلاف حول الدعم العسکری لإسرائیل أیضاً فی مجلس النواب. ففی 15 یولیو، فشل تعدیل یهدف إلى حذف 3.3 ملیار دولار من المساعدات الأمنیة المقترحة لإسرائیل، بأغلبیة 104 أصوات مؤیدة مقابل 314 صوتاً معارضاً. ومع ذلک، دعم 103 دیمقراطیین هذا التعدیل وعارضه 98.
ویُظهر هذا التصویت بدء نقاشات وخلافات داخل الحکم الأمریکی حول استمرار المساعدات العسکریة لإسرائیل؛ وهو خلاف تشکّل فی السنوات الماضیة رداً على حرب غزة، وأضافت الحرب على إیران إلیه بُعداً جدیداً.
شرخ فی القاعدة السیاسیة لترامب
من بین الکلف الأخرى التی فرضها التحریض على الحرب ضد إیران على إدارة ترامب حدوث شرخ فی القاعدة السیاسیة لأنصاره. فقد تحول تاکر کارلسون، المذیع والمحلل السیاسی المحافظ المعروف من مؤیدی ترامب، فی الأشهر الأخیرة إلى أحد المنتقدین الجدیین للحرب، وحمّل إسرائیل مسؤولیة بدئها.
وفی مقابلة مع NPR فی 24 سبتمبر 2026، تحدث کارلسون عن خلافه مع ترامب وعن دور إسرائیل فی قرار بدء الحرب. وادّعى أنه حذر ترامب قبل الحرب من أن إسرائیل تسعى إلى جرّ أمریکا إلى النزاع، لکن ترامب رد علیه قائلاً إن "کلنا نموت فی النهایة".
کراهیة إسرائیل فی الرأی العام
من بین التبعات الأخرى للحرب على أمریکا تحول الرأی العام إلى موقف سلبی غیر مسبوق تجاه الکیان الصهیونی. فعلى سبیل المثال، أظهر استطلاع لمرکز بیو للأبحاث فی ربیع 2026 أن 60% من البالغین الأمریکیین لدیهم نظرة غیر إیجابیة تجاه إسرائیل؛ بینما کان هذا الرقم فی ربیع 2025 یساوی 53%، وهی نظرة سلبیة تشکلت أصلاً نتیجة حرب غزة. کما أعلن 59% من المستطلعین أنهم لا یثقون أو یثقون قلیلاً بنتنیاهو لاتخاذ قرارات صحیحة فی الشؤون العالمیة؛ وهو رقم کان 52% فی العام السابق.
إضافة إلى ذلک، انتشرت هذه الکراهیة العامة لإسرائیل على مستوى العالم. ووفقاً لبیانات مرکز بیو للأبحاث، فإن 67% من الناس فی العالم، فی المتوسط، لدیهم نظرة سلبیة تجاه إسرائیل، وقد تجاوز معدل عدم الثقة بنتنیاهو 80% فی غالبیة الدول الغربیة.
وأکدت الأغلبیة الساحقة من المستطلعین فی 36 دولة أنهم لا یثقون أو یعتقدون إطلاقاً فی قرارات بنیامین نتنیاهو فی الشؤون العالمیة. وفی دول أوروبیة مثل إیطالیا (88%) والسوید (84%) وألمانیا (83%) وبریطانیا (75%)، أظهر الناس عدم ثقة عمیقة برئیس وزراء إسرائیل.
وعلى خلاف الدعم السیاسی للحکومات الغربیة، اتخذ الرأی العام الأوروبی مواقف صارمة جداً ضد تل أبیب. ففی السوید (78%) وإسبانیا (78%) وهولندا (76%) وإیطالیا (75%) وألمانیا (73%) وبریطانیا (69%)، لدى الأغلبیة الساحقة من الناس نظرة سلبیة تجاه إسرائیل.
وتُظهر مقارنة البیانات أن السلبیة وعدم الثقة تجاه إسرائیل ونتنیاهو سجلتا نمواً معنویاً مزدوج الرقم مقارنة بعام 2025 فی 13 دولة (منها أمریکا وبریطانیا وألمانیا وکوریا الجنوبیة وإیطالیا والأرجنتین)؛ وهو أمر یدل على تعمق الآثار السلبیة للحرب على الرأی العام العالمی.
النتائج الاستراتیجیة لمقاومة إیران
ویُظهر مجموع هذه التطورات أن صمود الشعب الإیرانی فی وجه الهجمات، إلى جانب عوامل سیاسیة وإقلیمیة أخرى، ساعد على تفاقم الخلافات القائمة داخل التحالف الأمریکی-الإسرائیلی. فالحرب التی کان یُفترض أن تحقق أهدافها المعلنة فی وقت قصیر تحولت إلى نزاع طویل، وباتت کلفها العسکریة والاقتصادیة والسیاسیة تحتل مکانة أکبر فی حسابات واشنطن، وأجبرت للمرة الأولى أجزاءً من منظومة الحکم على إعادة النظر فی علاقاتها بإسرائیل.
لا تزال أمریکا وإسرائیل تشترکان فی الهدف الاستراتیجی المتمثل فی مواجهة إیران، لکن تجربة الحرب الأخیرة أظهرت أن الاتفاق على الهدف الکبیر لا یزیل الخلاف حول مسار تحقیقه. وکلما أصبح تحقیق أهداف الحرب أصعب وارتفعت کلفة استمرارها، اکتسب القرار بشأن نطاق العملیات وموعد انتهاء النزاع أهمیة أکبر؛ وهی المسائل نفسها التی تحولت فی الأشهر الماضیة إلى أحد محاور الخلاف بین واشنطن وتل أبیب.
/انتهى/






